مجد الدين ابن الأثير
177
المختار من مناقب الأخيار
الطاعون الذي وقع في الشام : إنه عرضت لي حاجة ولا غناء بي عنك فيها ، فإذا أتاك كتابي هذا فإني أعزم عليك إن أتاك ليلا أن لا تصبح حتى تركب ، وإن أتاك نهارا أن لا تمسي حتى تركب إلي . فلما قرأ الكتاب قال : قد عرفت حاجة أمير المؤمنين ، إنّه يريد أن يستبقي من ليس بباق . ثم كتب : إني قد عرفت حاجتك التي عرضت لك ، فحلّلني من عزمتك يا أمير المؤمنين ، فإنّي في جند من أجناد المسلمين ، لا أرغب بنفسي عنهم . فلما قرأ عمر الكتاب بكى ، فقيل له : مات أبو عبيدة ؟ قال : لا ، وكأن قد . وكتب إليه عمر : إنّ الأردنّ أرض غمقة « 1 » ، وإنّ الجابية أرض نزهة ، فاظهر بالمسلمين إلى الجابية . فلما قرأ أبو عبيدة الكتاب قال : هذا نسمع فيه أمير المؤمنين ونطيعه . ثم أمرني أن أركب وأبوّئ الناس منازلهم . فقلت : إني لا أستطيع . قال : لم ؟ لعلّ المرأة قد طعنت ؟ قلت : أجل ، فذهب ليركب فوجد وخزة ، فطعن ، فتوفي أبو عبيدة ، وانكشف الطاعون « 2 » . وقال عروة بن الزّبير : إنّ وجع عمواس كان معافى منه أبو عبيدة بن الجرّاح وأهله فقال : اللهمّ نصيبه في آل أبي عبيدة بن الجرّاح وأهله . فخرجت بأبي عبيدة في خنصره بثرة ، فجعل ينظر إليها ، فقيل : إنها ليست بشيء ، فقال : إني أرجو أن يبارك اللّه فيها ، فإنه إذا بارك في القليل كان كثيرا « 3 » . وقال عبد الرحمن بن غنم : أخذ معاذ بن جبل بيد الحارث بن عميرة الحارثي ، فأرسله إلى أبي عبيدة يسأله كيف هو وقد طعنّا ؟ فأراه أبو عبيدة طعنة قد خرجت في كفّه ، فتكاثر شأنها في نفس الحارث ، وفرق منها حين
--> ( 1 ) في ( أ ) : « عميقة » ، وفي ( ل ) : « عمقة » ، والمثبت من النهاية ( غمق ) . ومعنى غمقة : أي قريبة من المياه والنزوز والخضر . والغمق : فساد الريح وخمومها من كثرة الأنداء ، فيحصل منها الوباء . ( 2 ) أخرجه ابن عساكر ص 315 ، وأخرجه الطبري بنحوه 4 / 60 ، 61 . ( 3 ) أخرجه ابن عساكر ( عاصم - عائذ ) ص 316 .